ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

342

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

--> - وهم ، أو عدل به فهم ، أو وقف عند دعوى ، أو شكى نزول بلوى ، أو لفت لغير ربه ، أو ذهل عن استغفار ذنبه ، فإن كل ذلك لطائف حجابيات ، تنعم فيها الأرواح في رياض الجنات ، مع أنها مشتغلة عن الغرق في لجج بحر التوحيد ، ومقام التفريد ، وحسناتهم لا تحصر عددا ، ولا تبلغ مددا ، وسيئاتهم حسنات الأبرار أهل اليمين ؛ فإنهم المقرّبون بحضرة رب العالمين . قال اللّه تبارك وتعالى : فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [ الواقعة : 88 - 96 ] . فالأنبياء المرسلون هم خواص المقرّبين ، والأنبياء غير المرسلين مفضولون بالمرسلين ، وكل متفاوتون في درج القرب والتكريم ، فقريب وأقرب . قال اللّه تبارك وتعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [ البقرة : 253 ] . فالمقرّبون من المرسلين والأنبياء والمصطفين والأولياء المجتبين أصحاب قدم صدق وتمكين ، ونفوس تشرف على نفوس الخلق أجمعين ، فهي تقية نقية ، زكية ، بهية ، شريفة ، علية ، سنية ، قدسية ، خالصة عن الشرك ، بريئة من الشك ، فهي تتصرّف من الحجابيات ، ولا تحجب بالحجابات ، فإن الحجب النورانية مقامات عليّات ، ومنازل درجات ، ومساكن طيبات ، ومقاعد صدقيات ، فالمقرّبون حاكمون عليها ، وهي حاكمة على من دونهم في المراتب من الأبرار وأهل اليمين ، فالأولياء الأبرار تحكم عليهم المقامات ، وتتصرّف فيهم الواردات ؛ لضعفهم عن حمل أثقال النبوات ، وأعباء الرسالات ، وتظلهم أنوار المقامات ، وتسلبهم الأحوال بأسرار أثقال الأقوال المنزلات . قال اللّه تبارك وتعالى لنبيه عليه السلام : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [ المزمل : 5 ] . فمن كان ضعيفا عن حمل ما يتنزل ، لابسا صفته البشرية ، فهو في حصر المقامات وأحكام الحجابيات ، فالجسم لا يطيق حمل تنزل اللطائف الجبروتية إلا بواسطة حمل النفس ، والنفس لا تستطيع حمل واردات القلب إلا بواسطة شرح الصدر ، والصدر لا يطيق حمل واردات الروح إلا بواسطة القلب ، والقلب لا يستطيع حمل واردات السر إلا بواسطة الروح ، والفؤاد لا يطيق حمل واردات الفيض الإلهي إلا بواسطة قبول السر ، والسر لا يقبل مشاهدة الحضرة الإلهية وسماع الكلام الربّاني إلا بواسطة الرحمة ، فالرحمة تنزلت بسر الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع -